الخطيب الشربيني
492
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال امرؤ القيس « 1 » : لا وأبيك ابنة العامريّ * لا يدّعي القوم أني أفر وفائدتها : توكيد القسم ، ثم قال الزمخشري بعد أن ذكر وجه الزيادة والاعتراض : والجواب كما تقدّم والوجه أن يقال : هي للنفي ، والمعنى في ذلك : أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدل عليه قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [ الجمعة : 75 - 76 ] فكأنه بإدخال حرف النفي يقول : إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام ، يعني أنه يستأهل فوق ذلك . قال بعضهم : قول الزمخشري : والوجه أن يقال إلى آخره تقرير لقوله : إدخال لا النافية فيه على فعل القسم مستفيض إلى آخره . وحاصل كلامه يرجع إلى أنها نافية وأنّ النفي متسلط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه ، وليس فيه نفع لفظا ولا معنى ، وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بغير ألف بعد اللام والهمزة مضمومة والباقون بالألف ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر وعن قراءة الباقين بالمدّ . ولا خلاف في قوله تعالى : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ في المدّ والكلام في لا المتقدّمة وجرى الجلال المحلي على أنها زائدة في الموضعين . واختلف في النفس اللوامّة فقيل : هي نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه تقول : ما أردت بكذا ولا تراه يعاتب إلا نفسه . وقال الحسن رضي الله عنه : هي والله نفس المؤمن ما ترى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي ، والفاجر لا يحاسب نفسه . وقال مجاهد رضي الله عنه : هي التي تلوم على ما فات ، فتلوم نفسها على الشرّ لم فعلته ، وعلى الخير لم لا تستكثر منه ، وقيل : تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها . وقيل : المراد آدم عليه السلام لم يزل لائما نفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة . وقيل : هي الملومة فتكون صفة ذمّ وهو قول من نفى أن تكون قسما ، وعلى الأوّل صفة مدح فيكون القسم بها سائغا . وقال مقاتل رضي الله عنه : هي نفس الكافر يلوم نفسه تحسرا في الآخرة على ما فرّط في جنب الله تعالى . وجواب القسم محذوف أي : لتبعثنّ دل عليه قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أي : هذا النوع الذي جبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفيه وأسند الفعل إلى النوع كله ؛ لأنّ أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله تعالى ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها أَلَّنْ أي : أنا لا نَجْمَعَ أي : على ما لنا من العظمة عِظامَهُ أي : التي هي قالب بدنه فنعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها للبعث والحساب . وقيل : نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة خال الأخنس بن شريق الثقفي وذلك أن عديا أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد حدّثني عن القيامة متى تقوم ؟ وكيف أمرها وحالها ؟ فأخبره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك ، أو يجمع الله العظام بعد تفرّقها ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب وبعد ما نسفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض ولهذا كان
--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 154 ، وخزانة الأدب 1 / 374 ، وشرح شواهد المغني 2 / 635 ، والشعر والشعراء 1 / 128 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 246 ، والمقاصد النحوية 1 / 96 .